الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

111

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ردت إليه الحميراء حتّى يجلدها الحدّ ، وحتّى ينتقم اللّه لابنة محمّد صلّى اللّه عليه وآله فاطمة عليها السّلام . قلت له : جعلت فداك ولم يجلدها الحدّ قال : لفريتها على امّ إبراهيم ( 1 ) . قلت : ولا يستنكر ما في الخبر ، فلا ريب أنّ عائشة رمت مارية باتّفاق الخاصّة والعامّة ، وأنّها استحقت الحدّ ، ولم يقل أحد أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم أجرى عليها الحد ، ولم يكن النّبيّ ليعطّل حدا من حدود اللّه على قريب ولا بعيد . فلا بد أنّ الحكمة اقتضت تأخير إجرائه على يد المهدي من ولده عليه السّلام . ورجعة جمع في أيّام المهديّ عليه السّلام عند الإمامية قطعية . ويناسب أن ننقل كلام شيخ ابن أبي الحديد ، يوسف بن إسماعيل اللمعانيّ ، الذي نقله عنه بعد التحقيق ، ما في الخبر من رمي عائشة لمارية وإيذائها لسيّدة نساء العالمين . وكلامه وإن كان مشتملا على الغثّ والسمين ، لكن نشير بعد إلى ما في غشهّ . فقال : أوّل بدء الضغن كان بين عائشة وبين فاطمة ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم تزوّجها عقيب خديجة ، ومعلوم أنّ ابنة الرجل إذا ماتت امّها وتزوّج أبوها أخرى كان بينهما كدر وشنآن ، ثم اتفق أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مال إليها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله . وأكرم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم فاطمة إكراما عظيما ، أكثر ممّا كان النّاس يظنوّنه وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتّى خرج بها عن حد حبّ الآباء للأولاد ، فقال بمحضر الخاص والعام مرارا لا مرّة واحدة ، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحد : إنّها سيّدة نساء العالمين ، وإنّها عديلة مريم بنت عمران ، وإنّها إذا مرّت في الموقف نادى مناد من جهة العرش : يا أهل الموقف غضّوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وهذا من الأحاديث الصحيحة

--> ( 1 ) علل الشرائع 2 : 303 - 304 .